ابن كثير

169

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

عن السلف وغيرهم ، وجاء ذكره في بعض الأحاديث ، ولا يصح شيء من ذلك ، وأشهرها حديث التعزية ، وإسناده ضعيف . ورجح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك ، واحتجوا بقوله تعالى : وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [ الأنبياء : 34 ] وبقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدر « اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض » « 1 » وبأنه لم ينقل أنه جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولا حضر عنده ولا قاتل معه ، ولو كان حيا لكان من أتباع النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، لأنه عليه السلام كان مبعوثا إلى جميع الثقلين : الجن والإنس ، وقد قال : « لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي » وأخبر قبل موته بقليل أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف ، إلى غير ذلك من الدلائل . قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم في الخضر قال : « إنما سمي خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء ، فإذا هي تهتز من تحته خضراء » ورواه أيضا عن عبد الرزاق ، وقد ثبت أيضا في صحيح البخاري عن همام عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة ، فإذا هي تهتز من تحته خضراء » « 3 » والمراد بالفروة هاهنا الحشيش اليابس وهو الهشيم من النبات ، قاله عبد الرزاق ؟ ؟ ؟ . وقيل : المراد بذلك وجه الأرض . وقوله : ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً أي هذا تفسير ما ضقت به ذرعا ، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء ، ولما أن فسره له وبينه ووضحه وأزال المشكل قال تَسْطِعْ وقبل ذلك كان الإشكال قويا ثقيلا ، فقال سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ، فقابل الأثقل بالأثقل ، والأخف بالأخف ، كما قال : فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وهو الصعود إلى أعلاه وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً [ الكهف : 97 ] وهو أشق من ذلك ، فقابل كلا بما يناسبه لفظا ومعنى ، واللّه أعلم . فإن قيل : فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك ؟ فالجواب أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر وذكر ما كان بينهما ، وفتى موسى معه تبع ، وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون ، وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام ، هذا يدل على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره حيث قال : حدثنا ابن حميد ، حدثنا سلمة : حدثني ابن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن أبيه عن عكرمة قال : قيل لابن عباس : لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث ، وقد كان معه ؟ قال ابن

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الجهاد حديث 58 ، والترمذي في تفسير سورة 8 ، باب 3 ، وأحمد في المسند 1 / 30 ، 32 ، 117 . ( 2 ) المسند 2 / 312 ، 318 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 27 .